الرئيسية / حوارات / المركز السوري للدراسات والحوار يعقد محاضرة فكرية بعنوان : الإسلام الديمقراطي في النظرية السياسية للإسلام

المركز السوري للدراسات والحوار يعقد محاضرة فكرية بعنوان : الإسلام الديمقراطي في النظرية السياسية للإسلام

أقام المركز السوري للدراسات والحوار محاضرة فكرية بعنوان : الإسلامُ الديمقراطي في النظرية السياسية ألقاها الشيخ : رياض درار رئيس مجلس قوات سوريا الديمقراطية ، وأُقيمت المحاضرة في مدينة منبج بحضور عدد من المثقفين والسياسيين والوجهاء ورجال الدين . وهذا نص المحاضرة :

الإسلام الديمقراطي

                                                                                                                    الشيخ : رياض درار

في النظرية السياسية للاسلام

1– الإسلام يدعو الى إنسانية شاملة ، لكنه ليس مشروع دولة كونية ، بل هو مشروع ديمقراطيات يتعدد بتعدد المجتمعات وتتشسارك في فضاء الحرية وتعمل على اختراق الحضارات والتكامل بينها وللتواصل والتعارف والتثاقف ،

2– والدولة في النظانم الإسلامي تقوم على الحرية بجميع ابناءهم ولاتتدخل في معتقداتهم بل تحمي الجميع ولا تتبنى دينا تفرضه او تلزم به احد ومن يتعرض على تسمية النظام الإسلامي نجيبه من المعروف القانوني .. بان النظام في اية دولة هو مجموعة كثيفة من قواعد السلوك العام (تخاطب الناس كافة المجردة) لاتنصب على واقع معين بذاته مكانا او زمانا او أشخاصا الملزومة للكافة ، تقوم على حراستها وضمان نفاذها ولو بالاكراه السلطة (الحكومة ) .. هذه القواعد تقبل تقسيمات عديدة (قواعد فنية) من مستحثات منهاج البحث العلمي
فهي قواعد دستورية او قانونية او إدارية تتبع لدرجة سمو بعضها على بعض . هي قواعد أمرة او مكملة تبعا لعلاقتها بما يتفق عليها الأشخاص : وهي قواعد موضوعية او إجرائية او تجارية او جزئية .. تبعا لنوع المضمون الذي تنضمه .. الى اخر هذه التقسيمات المتداولة في دراسات فقه القانون ولأنها قواعد سلوك عام ومجرد وملزم فان هذه المنظمة للعلاقات بين الأشخاص في المجتمع ، أي مجتمع : ومن هنا يطلق عليها جملة النظام : وضد الفوضى .

لم يوجد مجتمع بشري بغير نظام ولايوجد نظام بغير حدود ، والحدود هي التي تحل التناقض بين وحدة المجتمع وتعدد الافراد فيه

وحدة المجتمع تتطلب وحدة النظام وتعدد الافراد ، سنا وجنسا وفكرا ومقدرة ورغبات ، تتطلب حرية كل منها في اختيار النظام الذي  يرتضيه ، لذل تكون قواعد لالنظام مجردة وعامة وملزمة ، وكل نظام له مصدر الفكري او الفلسفي او العقائدي ، فهو اشتراكي او ماركسي او ليبرالي او ديمقراطي ، وهذا المصادر هي الأساس ، القواعد – الحدود ، لتلك النظم لايباح مخالفتها لانها قواعد القانون العام ، وهذه  القواعد تصبح ضوابط عامة للسلوك  يسمونها العرف التقليدي ، الادب ، وتدخل في نسيج التكوين الحضاري للمجتمع وهي تنظم سلوك وعلاقات الناس على هذه الشاكلة ، يمكن ان تقوم الأنظمة ، وعلى ذلك يمكن ان يقوم النظام الإسلامي .

3– ولااسلام يمتلك شرعية تمثل ثروة قانونية شاملة للمكونات الحياة ، ومن ثم يمكن ان ينبثق عنه نظام يمكن ان يحل محل الأنظمة الحاكمة وتتجاوزها باستيعاب الاخر وفق ماجاء فيه دستور المدينة الذي أكد على المواطنة وعلى المساومة .

ان أنظمة قامت باسم الإسلام فرضت رؤية أصحابها .. وعمل علماء السلطة وفقهاءها على رابطة بمصالح السياسيين خلافا لروح الإسلام ولدعوته بعيدا عن تطبيق الرسول في بداية الدعوة التي قامت عليها حكومة المدينة المنورة فالصحيفة التي جعلت الرسول بينها وبين سكان يثرب بمختلف مكوناتها ، كانت اول دستور اعلن ان الدولة تقوم على مبدا المصالحة المشتركة بين الناس ، ولا تعتمد على مرجعية المشايخ والكهنة .. وهي احتوت على مبدا دستوري يدور حول حقوق المواطنة ويؤكدها ، وحول حقوق الانسان ، وحرية التداين ، وقامت على معيار الكفاءة لا الولاء .

والصحيفة التي تاسست عليها دولة المدينة كانت اعلانا “دستوريا” يتفق مع التوجه العلماني الأصيل للاسلام … (هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش واهل يثرب ، ومن اتبعهم فلحق بهم  وجاهد معهم ، انهم امة واحدة من دون الناس .. وان من اتبعنا من يهود فان له النصر والاسوة غير مظلومين ، ولا متناصر عليهم .. ) والعلمانية ليست خيارا أيديولوجيا ، بل واقعا تاريخيا وموضوعيا ، وهي حركة منفتحة ابدا على التحول والصيرورة بلا نهائيات ولاغائيات ، وتؤدي الى الاستقلال النسبي للمجتمع الديني والمساواة الكاملة للمواطنين امام القانون . او تعمل على حيادية الدولة الإيجابي اتجاه جميع أبنائها ، وتعمل على رؤية تحمل ملامح جوهرية لانسانية الانسان ، وتعبر عن طموحه الى السيطرة على المعوقات التي تقف في طريق تقدمه وسعادته .

لقد كانت الصحيفة دستورا “ملزما” لاهل المدينة ، من المسلمين والاربع عشرة قبيلة وثنية ومسيحية ويهودية ( بقي بنو اوس اللات في الحلف ولم تغير اسمهم الا بعد معركة احد فاسماها الرسول اوس الله ) والصحيفة اكدت نقطتين رئيستين تجمعهما العبارة الشهيرة اليوم (الدين لله والوطن للجميع ) . وقد جعلت كل الفئات المختلفة دينيا وحدة وطنية سياسية متعايشة ، حيث الجميع امة واحدة من دون الناس ، يجمعهم وطن واحد وهو يثرب ، يتساوون في الحقوق امام الحكومة بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية ، ويتضامنون في الدفاع عنه اذا تعرض لاي اعتداء خارجي .

بهذه الروحية /روحية الصحيفة / يمكن التقارب مع الرؤية العلمانية التي تقوم على فصل الدين عن الدولة ، حيث ان الدولة ضرورة ، ومنشا ضرورتها النظام والامن والاعمار ، لان عدمها جور مطلق على حد قول الامام علي / لابد للناس من امير بر او فاجر / .. بل قيل في ماثورات العرب / سلطان غشوم خير من فتنة تدوم / .

وعلينا ان نلاحظ ان رؤيتهم لوجود امير فاجر او غشوم يتعارض مع الأمان الاجتماعي الذي هو من وظيفة الدولة .. وهو الذي ينشده الإسلام لحامليه .. لكنهم قالوا ذلك وفق وعي اجتماعي لا من فقه إسلامي .. والوعي الاجتماعي يتغير تبعا لتغير وعي الافراد لادوارهم ومواقعهم وحقوقهم وواجباتهم حيث تتغير المفاهيم والوظائف ، وبذلك يتغير شكل الدولة أداء وادوارا ومصدر شرعية واليات تطبيق … هذا التغير هو مصدر عدم تنميط الدولة بكونها إسلامية او ليبرالية او اشتراكية بشكل مطلق … ان تنميط الدولة يصادر حق المشاركين فيها من التعبير عن انتماءهم او رؤاهم او معتقداتهم ، ويلغي التنوع الذي هو من سمة الانسان ، ومصدر حيوية العالم (وبالتالي تنميط الدولة باسم الإسلام ليس مقصودا وانما المراد النظام واسم المصدر الماخوذ منه )

4– وان الاعتراف بالتعدد والتنوع البشري سمة أساسية في الإسلام لاتقوم دولة بدونه .. ولا تبنى الا على أساس الاعتراف به وبوجوده

هذا ، وقد لحظ الإسلام مدى التنوع البشري ، ودعا الى احترامه وجعله مصدر حيوية للعالم / ياأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا / سورة الحجرات .. ومفهوم التعارف غاية في ذاته ، وهو نابع من التنوع / ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة / سورة المائدة .. . بهذا المنظور يمكن ان نرى ان تطور النهضة الإنسانية قاد الى ثقافة تستمد مرجعيتها من العالم المحيط وضرورات التعايش معه وفيه .. هذه الضرورات أرسلت مفاهيم جديدة وادت الى تحديث المجتمع .. وتحديث المجتمع قاد الى الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية .. وهو ما أدى الى إعادة تنظيم المجتمع على أسس الحرية والمساواة والعدالة والعقلانية والحقوق المدنية .. وهي عملية لاتتوقف على جيل معين ، بل هي في صلب المستقبل الذي لا يتوقف ، وتجعل الانسان من دون النظر الى عرقه وجنسه او دينه او لونه نقطة ارتكاز في المجتمع ، وتقدم له الضمانات القانونية اللازمة لممارسة تلك الحقوق واستقلاليته .

5– ويمكن تحديد سمات الديمقراطية العامة باستقراء تجارب الديمقراطية في العالم وتطورها التاريخي ، وما اصبح يعدّ مبادئ مشتركة للديمقراطية مثل : تداول الحكم بطريقة سلمية ، وعملية انتخابية دورية سواء كانت برلمانية ام رئاسية او كليهما ، والفصل بين السلطات حرية التعبير عن الراي وحرية الاجتماع ، ومجموعة القوانين التي تمنع تعسف السلطة ، وتاكيد المواطنة  المتساوية هي العلاقة بين الفرد والدولة ، ومشاركة المراة ومساواتها في العمل والمنصب والحقوق . ونفي التمييز بكل اشكاله . ويخطىء من يظن ان الطريق ممهد نحو الديمقراطية ، فلا بد ان نشق اليه السبيل بانفسنا ولذلك لا بد للديمقراطية من ديمقراطيين يعلمون مايفعلون وما هم عنها بغائبين .

6نحن هنا لاناتي بجديد خارج الإسلام .. بل هو من صلب سماحة الإسلام .. اننا فقط نحتاج الى تجديد فكري ديني ، وفتح الأفق امام الديمقراطية ، ونبذ الوصاية على الشعب .. وهذا يدفع كل مستلهم للحرية الى ان يساهم بدوره في استبعاد الاحكام الفقهية التي تضع العقبات في طريق تطور الانسان بايقافه على حدود المدينة المنورة والصحراء العربية مكانا وعلى وجود الصحابة زمانا ، وكان الدنيا توقفت لديهم . وبالتالي فان المنهج التشريعي يفترض به ان يحقق التطور في المجتمعات الإسلامية ويزيل عليها الإشكالات الفقهية التي تتخبط فيها ، ويفترض باعتماد هذا المنهج على ماجاء في الهدي السماوي والكتاب الحكيم وضع قانون مدني عصري يتناسب مع معطيات الواقع وظروف وحاجيات كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية يرفع غبن القوانين في الأحوال الشخصية والتجارية وغيرها

7– اننا نعول على إعادة النظر في معنى النص الديني وعلاقته بالناس ، وعلى تطوير الثقافة ، والتكيف مع العالم ، وإعادة الصلة بالمكتسبات التي صنعتها الشعوب ، وماحققته من نهضة تقوم على تامين كرامة الانسان وحريته مايعني ان إقامة دولة إسلامية من اجل تطبيق الشريعة بالمعنى المطروح من حركات الإسلام السياسي غير قابل للتطبيق في زماننا وهو مفهوم متجاوز وتاريخي يلغي عالمية الإسلام وكذلك يعني ان بند الإسلام دين الدولة لاحاجة له في الدساتير ، وانما يمكن اعتماد المرجعية الأخلاقية للدولة والمجتمع . والدولة المدنية المنشودة ، ذات المرجعية الأخلاقية للدولة والمجتمع .

والدولة المدنية المنشودة ، ذات المرجعية الأخلاقية ، لابد ان تكون فيها حقوق الملحد كما المؤمن مصانة ، فكلمة الله العليا هي الحرية لجميع الناس ، بغض النظر عن معتقداتهم ، واهم مبدا يجب تطبيقه هو احترام حرية الاخر المختلف معك بالمعتقد ، والحفاظ على حقوق الانسان وكرامته ، هو الهدف النبيل الذي يستحق التضحية ، والا اصبحنا ندور في حلقة مفرغة .

والشعوب ضحت بالغالي والرخيص لتعيش حريتها لا لتستبدل طاغية باخر

8– نجاح أي توجه ديمقراطي يتطلب التأكيد على مفهوم المواطنة الذي يعمل على ضبط التدافع الاجتماعي وتمتين قواعد الوحدة المجتمعية وضمان الخصوصية والتكافؤ في الحقوق والواجبات وتاكيد الحريات الشخصية للافراد وعدم التمييز بين الأعراق والاجناس وهذا يتطلب التأكيد على :

– بناء الدولة على عقد اجتماعي يضمن حدود العلاقة بين السلطة والمواطنين

– التنافس يقوم على البرامج وليس على الهويات والانتماءات

– قبول مبدا تداول السلطة والمشاركة في الترشيح والانتخاب والتقدم للمناصب دون قيد الا قيد المواطنة

– لاتتميز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الدين او القومية او العرق او الجنس

– احترام الثقافات وضمان حرية المعتقد والاختيار لكل فرد وإلغاء اشكال العنصرية ومفهوم اهل الذمة كونه مفهوما تاريخيا غير مرتبط باصل الدين ..

– المساواة بين الذكور والاناث في العمل والكسب والمسؤولية والقوامة والارث

– المعارضة تعبير عن احترام الراي الاخر وضرورة لتطبيق الديمقراطية وتاكيد التعددية ، وهي بنية أساسية تضمن حقوقها الدولة والدستور عبر حرية التعبير والتعددية الحزبية وتنوع الآراء واحترامها .

– المرجعية الأخلاقية تقوم على قيم إنسانية فطرية اكدتها الوصايا في سورة الانعام ونحن نؤكد عليها لتبقى فوق الدستور والعالم كله اليوم يؤكد على هذه الوصايا ويعمل بها الا من بعض تزيّد نحن نرفضه .

9– النخب التي تحدثت في المواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني لم تبن هذه الأفكار على مضامين عملية فبقيت في علب مستوردة دون اسقاط على الواقع لانها تهمل تكوينات المجتمع وبناه الأساسية حيث المواطنة الحقة تعترف بمكونات المجتمع المتدين وغير المتدين ، والديمقراطية تراعي المشاركة وليس التبعية .

والمجتمع المدني يحتاج لدولة قوية ليكون قويا بمواجهة التغول ويكون معبرا عن المواطنية وليس مجرد تجمعات في مؤسسات إنسانية خدمية .

ومفهوم فصل الدين عن الدولة هو رؤية إسلامية لان الإسلام دين ودنيا وبالتالي البنية الإسلامية هي من صلب المواطنة لانها تمثل غالبية الناس وان لم تستوعب في العملية السياسية فهذا يعني دعوة الى تهميش الأكثرية وهذا غير منصف

وقبل ان نكثر النقد وندخل في جدالية المعنى علينا ان نفكر بالمحاولة والمواجهة لصور التدين الخاطيء والممارسة السياسية الخطأ .. فالاسلام السياسي فشل لانه ارتكب اثم العيش في الماضي ولم يواكب العصر وحاجاته لذلك تحول الى حركات التطرف والتشدد والتكفير ، من غير ان يساهم في البناء والتعمير .

وفي الإسلام يمكن ان تقوم أحزاب عدة بتوجهات مختلفة ، لانه لم يكن هناك حزب واحد جامع لحاجات المسلمين ولن يقوم حزب بحاجاتهم المتنوعة  ، وقيام أحزاب بهوية دينية ليس معناه فرض الأيديولوجيا الدينية لان المبادئ الديمقراطية ستحكم العملية وليس الديمقراطية الشكلية التي هي تكرار المقولات دون مضامينطالنظام الديمقراطي لايعني حكم الأغلبية السكانية وانما الأغلبية البرامجية التي تلتزم بالمبادىء الديمقراطية ، الاغللبيات الديمقراطية لاعلاقة لها بالهويات ولا بالوان الناس ومذاهبهم ، وانما علاقتها بصراع الأفكار ومصالح الأطراف والحلول الوسط والائتلافات بين القوى والتوافقات المتغيرة بتغير المعادلات في المجتمع

بمثل هذه التاكيدات يمكن للمسلمين ان يشاركوا بتنظيم انفسهم  ويساهموا في بناء بلادهم كمواطنين يتساوون مع الاخر ويعترفون به

يبقى التأكيد ان الطريق الى الديمقراطية ليست مفروشة بالورود وعلينا ان نقتلع الاشواك بايدينا ونحن نشمر ونجتهد اليه

 

– لمشاهدة المحاضرة كاملة : اضغط هناhttps://youtu.be/vKnzoOyIq0A